صحيح البخاري
وهو المسند الجامع الصحيح المختصر من أمور رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وسننه وأيامه كما سماه مؤلفه المشهور بصحيح البخاري للإمام الحافظ أمير المؤمنين في الحديث أبي عبدالله محمد بن اسماعيل الجعفي البخاري
هو أول مصنف صنف في الصحيح المجرد وأول الكتب الستة في الحديث وأفضلها عند الجمهور على المذهب المختار المنصور قال النووي في شرح صحيح مسلم اتفق العلماء على أن أصح الكتب بعد القرآن الكريم الصحيحان صحيح البخاري وصحيح مسلم وتلقاهما الأئمة بالقبول وكتاب البخاري أصحهما صحيحا وأكثرهما فوائد وقد صح أن مسلما كان ممن يستفيد منه ويعترف بأنه ليس له نظير في علم الحديث وهذا الترجيح هو المختار الذي قاله الجمهور ثم إن شرطهما أن يخرجا الحديث المتفق على ثقة نقلته إلى الصحابي المشهور من غير اختلاف بين الثقات ويكون إسناده متصلا غير مقطوع وإن كان للصحابي راويان فصاعدا فحسن وإن لم يكن له إلا راو واحد وصح الطريق إلى ذلك الراوي أخرجاه والجمهور على تقديم صحيح البخاري وبعض المغاربة رجحوا صحيح مسلم على صحيح البخاري والجمهور يقولون أن هذا فيما يرجع إلى حسن البيان والسياق وجودة الوضع والترتيب ورعاية دقائق الإشارات ومحاسن النكات في الأسانيد وهذا خارج عن البحث والكلام في الصحة والقوة وما يتعلق بها وليس كتاب يساوي صحيح البخاري في هذا الباب بدليل كمال الصفات التي اعتبرت في الصحة في رجاله وبعضهم توقف في ترجيح أحدهما على الآخر والحق هو الأول انتهى قال الحافظ عبد الرحمن بن علي بن الديبع نظم
تنازع قوم في البخاري ومسلم
لدي وقالوا أي ذين يقدم
فقلت لقد فاق البخاري صحة
كما فاق في حسن الصناعة مسلم
قال النووي وأما رجحانه من حيث الاتصال فلاشتراطه أن يكون الراوي قد ثبت له لقاء من روى عنه ولو مرة واكتفى مسلم بمطلق المعاصرة وأما رجحانه من حيث العدالة والضبط فلأن الرجال الذين تكلم فيهم من رجال مسلم أكثر عددا من رجال البخاري مع أن البخاري لم يكثر من إخراج حديثهم وأما رجحانه من حيث عدم الشذوذ والإعلال فما انتقد على البخاري من الأحاديث أقل عددا مما انتقد على مسلم وأما التي انتقدت عليهما فأكثرها لا يقدح في أصل موضوع الصحيح فإن جميعها واردة من جهة أخرى وقد علم أن الإجماع واقع على تلقي كتابهما بالقبول والتسليم إلا ما انتقد عليهما والجواب عن ذلك على الإجمال أنه لا ريب في تقديم الشيخين على أئمة عصرهما ومن بعدهما في معرفة الصحيح والعلل وقد روى الفربري عن البخاري أنه قال ما أدخلت في الصحيح حديثا إلا بعد أن استخرت الله تعالى وثبتت صحته
إعلم أن البخاري قد التزم مع صحة الأحاديث استنباط الفوائد الفقهية والنكتة الحكمية فاستخرج بفهمه الثاقب من المتون معاني كثيرة فرقها في أبوابه بحسب المناسبة واعتنى فيها بآيات الأحكام وسلك في الإشارات إلى تفسيرها السبل الوسيعة ومن ثم أخلى كثيرا من الأبواب من ذكر إسناد الحديث واقتصر على قوله فلان عن النبي {صلى الله عليه وسلم} وقد يذكر المتن بغير إسناد وقد يورده معلقا لقصد الاحتجاج إلى ما ترجم له وأشار للحديث لكونه معلوما سبق قريبا ويقع في كثير من أبوابه أحاديث كثيرة وفي بعضها آية من القرآن فقط وفي بعضها لا شيء فيه
وأما إيراد البخاري الأحاديث المعلقة مرفوعة وموقوفة فيوردها تارة مجزوما بها كقال وفعل فعلها حكم الصحيح وتارة غير مجزوم بها كيروى ويذكر وتارة يوجد في موضع آخر منه موصولا وتارة معلقة للاختصار أو لكونه لم يحصل عنده مسموعا أو شك في سماعه أو سمعه مذاكرة ولم يورده في موضع آخر فمنه ما هو صحيح إلا أنه ليس على شرطه ومنه ما هو حسن ومنه ما هو ضعيف وأما الموقوفات فإنه يجزم فيها بما صح عنده ولم يكن على شرطه ولا يجزم بما كان في إسناده ضعف أو انقطاع وإنما يورده على طريق الاستئناس والتقوية
وقال الشيخ عبد الحق الدهلوي في مقدمة اللمعات التعليقات كثيرة في تراجم صحيح البخاري ولها حكم الاتصال لأنه في هذا الكتاب لا يأتي إلا بالصحيح ولكنها ليست في مرتبة مسانيدها إلا ما ذكر منها مسندا في موضع آخر من كتابه وقد يفرق فيها بأن ما ذكر بصيغة الجزم والمعلوم كقال فلان أو ذكر فلان دل على ثبوت إسناده عنده فهو صحيح قطعا وما ذكره بصيغة التمريض والمجهول كقيل ويقال وذكر ففي صحته عنده كلام ولكنه لما أورده في هذا الكتاب كان له أصل ثابت ولهذا قالوا تعليقات البخاري متصلة صحيحة انتهى
قال ولي الله المحدث الدهلوي أول ما صنف أهل الحديث في علم الحديث وجعلوه مدونا في أربعة فنون في السنة أعني الذي يقال له الفقه مثل موطأ مالك وجامع سفيان وفن التفسير مثل كتاب ابن جريج وفن السير مثل كتاب محمد بن اسحاق وفن الزهد مثل كتاب ابن المبارك فأراد البخاري أن يجمع الفنون الأربعة في كتاب ويجرد ما حكم له العلماء بالصحة قبل البخاري وفي زمانه ويجرده للحديث المرفوع المسند وما فيه من الآثار وغيرها إنما جاء بتبعا لا بالأصالة لهذا سمي كتابه بالجامع الصحيح المسند وأراد أن يفرغ جهده في الاستنباط من حديث رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ويستنبط من كل حديث مسائل كثيرة جدا وهذا أمر لم يسبقه إليه غيره غير أنه استحسن أن يفرق الأحاديث في الأبواب ويودع في تراجم الأبواب سر الاسنباط
وجملة تراجم أبوابه تنقسم أقساما منها أنه يترجم بحديث مرفوع ليس على شرطه ويذكر في الباب حديثا شاهدا له على شرطه
ومنها أنه يترجم بحديث مرفوع ليس على شرطه لمسألة استنبطها من الحديث بنحو من الاستنباط من نصه أو إشارته أو عمومه أو إيمائه أو فحواه
ومنها أنه يترجم بمذهب ذهب إليه ذاهب قبله ويذكر في الباب ما يدل عليه بنحو من الدلالة لو يكون شاهدا له في الجملة من غير قطع يترجيح ذلك المذهب فيقول باب من قال كذا
ومنها أنه يترجم بمسألة اختلف فيها الأحاديث فيأتي بتلك الأحاديث على اختلافها ليقرب إلى الفقيه من بعده أمرها مثاله باب خروج النساء إلى البراز جمع فيه حديثين مختلفين
ومنها أنه قد يتعارض الأدلة ويكون عند البخاري وجه تطبيق بينها يحمل كل واحد محمل فيترجم بذلك المحمل إشارة إلى التطبيق مثاله باب خوف المؤمن أن يحبط عمله وما يحذر من الإصرار على التقابل والعصيان ذكر فيه حديث سباب المسلم فسوق وقتاله كفر
ومنها أنه قد يجمع في الباب أحاديث كثيرة كل واحد منها يدل على الترجمة ثم يظهر له في حديث واحد فائدة أخرى سوى الفائدة المترجم عليها فيعلم ذلك الحديث بعلامة الباب وليس غرضه أن الباب الأول قد انقضى بما فيه وجاء الباب الآخر برأسه ولكن قوله باب هنالك بمنزلة ما يكتب أهل العلم على الفائدة المهمة لفظ تنبيه أو لفظ فائدة أو لفظ وقف مثاله قوله في كتاب بدء الخلق باب قول الله تعالى ) وبث فيها من كل دابة ( ثم قال بعد أسطر باب خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال وأخرج هذا الحديث بسنده ثم ذكر حديث
الفخر والخيلاء في أهل الخيل ثم وثم ماليس من ذكر الغنم فكأنه أعلم هذا الحديث بأنه مع دخوله في الباب فيه فائدة أخرى من منقبة الغنم
ومنها أنه قد يكتب لفظ باب مكان قول المحدثين وبهذا الإسناد وذلك حيث جاء حديثان بإسناد واحد كما يكتب حيث جاء حديث واحد بإسنادين مثاله باب ذكر الملائكة أطال فيها الكلام حتى أخرج حديث الملائكة يتعاقبون ملائكة بالليل وملائكة بالنهار برواية شعيب عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ثم كتب باب إذا قال أحدكم آمين والملائكة في السماء آمين فوافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه ثم أخرج حديث أن الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة ثم وثم ماليس فيه ذكر آمين لا يعد كثير
وأما عدد أحاديث البخاري فقال ابن الصلاح سبعة الاف ومائتان وخمسة وسبعون حديثا بالأحاديث المكررة وتبعه النووي فذكرها مفصلة وتعقب ذلك الحافظ ابن حجر بابا بابا محررا ذلك وحاصله أنه قال جميع أحاديثه بالمكرر سوى المعلقات والمتابعات على ما حررته وأتقنته سبعة آلاف وثلاثمائة وسبعة وتسعون حديثا
وأما فضله فهو أصح الكتب المؤلفة في هذا الشأن والمتلقى بالقبول من العلماء في كل زمان يقول أبو زيد المروزي كنت نائما بين الركن والمقام فرأيت النبي {صلى الله عليه وسلم} في المنام فقال لي يا أبا زيد إلى متى تدرس الشافعي وما تدرس كتابي فقلت يا رسول الله وما كتابك قال جامع محمد بن إسماعيل البخاري وقال الذهبي في
تأريخ الإسلام وأما جامع البخاري الصحيح فأجل كتب الإسلام وأفضلها بعد كتاب الله تعالى وهو أعلى في وقتنا هذا إسنادا للناس ومن ثلاثين سنة يفرحون بعلو سماعه فكيف اليوم فلو رحل الشخص لسماعه من ألف فرسخ لما ضاعت رحلته انتهى وهذا قاله الذهبي في سنة ثلاث عشرة وسبعمائة
وروى بالإسناد الثابت عن البخاري أنه قال رأيت النبي {صلى الله عليه وسلم} وكأني واقف بين يديه وبيدي مرو
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ